الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
112
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والإمساك حقيقته : أخذ الشيء باليد مع الشدّ عليه بها لئلا يسقط أو ينفلت ، وهو يتعدّى بنفسه ، أو هو هنا مجاز عن الحبس والمنع ولذلك قوبل به الفتح . وأما قولهم : أمسك بكذا ، فالباء إمّا لتوكيد لصوق المفعول بفعله كقوله تعالى : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [ الممتحنة : 10 ] ، وإمّا لتضمينه معنى الاعتصام كقوله تعالى : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى * [ لقمان : 22 ] . وقد أوهم في « القاموس » و « اللسان » و « التاج » أنه لا يتعدى بنفسه . فقوله هنا : وَما يُمْسِكْ حذف مفعوله لدلالة قوله : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ عليه . والتقدير : وما يمسكه من رحمة ، ولم يذكر له بيان استغناء ببيانه من فعل . والإرسال : ضد الإمساك ، وتعدية الإرسال باللام للتقوية لأن العامل هنا فرع في العمل . و مِنْ بَعْدِهِ بمعنى : من دونه كقوله تعالى : فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [ الجاثية : 23 ] فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ [ الجاثية : 6 ] ، أي فلا مرسل له دون اللّه ، أي لا يقدر أحد على إبطال ما أراد اللّه من إعطاء أو منع واللّه يحكم لا معقب لحكمه . وتذكير الضمير في قوله : فَلا مُرْسِلَ لَهُ مراعاة للفظ ما لأنها لا بيان لها ، وتأنيثه في قوله : فَلا مُمْسِكَ لَها لمراعاة بيان ما في قوله : مِنْ رَحْمَةٍ لقربه . وعطف وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تذييل رجّح فيه جانب الإخبار فعطف ، وكان مقتضى الظاهر أن يكون مفصولا لإفادة أنه يفتح ويمسك لحكمة يعلمها ، وأنه لا يستطيع أحد نقض ما أبرمه في فتح الرحمة وغيره من تصرفاته لأن اللّه عزيز لا يمكن لغيره أن يغلبه ، فأنّ نقض ما أبرم ضرب من الهوان والمذلّة . ولذلك كان من شعار صاحب السؤدد أنه يبرم وينقض قال الأعشى : علقم ما أنت إلى عامر * الناقض الأوتار والواتر وضمير لَها وضمير لَهُ عائدان إلى ما من قوله : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ ، روعي في تأنيث أحد الضميرين معنى ما فإنه اسم صادق على رَحْمَةٍ وقد بيّن بها ، وروعي في تذكير الضمير الآخر لفظ ما لأنه لفظ لا علامة تأنيث فيه . وهما اعتباران كثيران في مثله في فصيح الكلام ، فالمتكلم بالخيار بين أيّ الاعتبارين شاء . والجمع بينهما في هذه الآية تفنن . وأوثر بالتأنيث ضمير ما لأنها مبيّنة بلفظ مؤنث وهو